ابن يعقوب المغربي
159
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
معه كان كلاهما واسطة . أما التمليح فيما ذكر فلأن إفادة نهاية الذم المقصودة في طي ما يفيد نهاية المدح مما يستملح ، وأما التهكم فلأن الإتيان بعكس ما يطلب في طيه معروف لتلك الإهانة كمناولة حجر عند طلب خبز مثلا ، ولهذا يقال عند مناولته استهزاء : خذ الخبز ، ولأجل قصد نهاية الإهانة ناسب التعبير في هذا التشبيه بصيغة التعجب والمبالغة كما في المثالين ، وإنما زدنا ذكر الوجه نحن لقصد إيضاح المراد من الوجه ، ثم لا يخفى أن انتزاع الوجه من التضاد مؤخر عن تنزيله منزلة التناسب على ما قررنا ، فالتعبير بثم في التنزيل للترتب الذكرى ، إلا أن يراد بالانتزاع قصده ، ويراعى في التنزيل نهايته فيوجد حينئذ الترتب والمهلة ، فتكون ثم على بابها تأمل . فتبين بما قررنا أن التمليح مصدر ملح الشاعر إذا أتى بشيء مليح وقصد التمليح ، أي : الإتيان بشيء مليح في طي التعبير بما يدل في الأصل على خلاف المراد موجود في كلام العرب كما بينه الإمام المرزوقي في قول الشاعر الحماسى ، أي : المنسوب إلى الحماسة وهي الشجاعة كما دل عليه شعره : أتاني من أبى أنس وعيد * فسل لغيظة الضحاك جسمي " 1 " فإنه قال هذا البيت قصد قائله التهكم بأبى أنس والتمليح ، أي : الإتيان بشيء مليح يستظرفه السامعون ، والإمام المرزوقي قدوة فيما يفهم من أشعار العرب لتدربه بها وممارسته لمقتضياتها ، ومعنى سل ذاب وهو بصيغة المبنى للمجهول ، والجسم هو النائب ، وفي بعض الروايات بدل لغيظة تغيظ فيكون بصيغة المبنى للفاعل ، والتغيظ فاعله ، والجسم مفعول ، والمراد بالضحاك أبو أنس نفسه ، وعبر بالظاهر موضع الإضمار بيانا لعين المستهزأ به بذكر الاسم العلم تحقيرا لشأنه ، وقيل : الضحاك اسم لملك من الملوك سماه به زيادة في التهكم لتضمنه تشبيهه به على وجه الهزؤ والسخرية ، فكأنه قال : فسل جسمي تغيظ هذا الذي هو كالملك الفلاني ، ولا يخفى ما فيه من الاستهزاء فالتمليح بتقديم الميم معناه ما ذكر من الإتيان بالمليح ، وليس مرادفا للتلميح بتقديم اللام الذي هو الإشارة إلى قصة كما في قوله :
--> ( 1 ) البيت لشاعر حماسى في شرح عقود الجمان ( 2 / 18 ) .